حوار أعمدة الأمّة الأربعة ودور المثقفين في إعادة قيم التعاون والتضامن للأمة

اراء وتعليقات
حجم الخط

الدكتور محمد ابو حمور *

المؤتمر الذي بادر لتنظيمه منتدى الفكر العربي تحت عنوان "أعمدة الأمّة الأربعة"، وعُقد برعاية رئيسه وراعيه سمو الأمير الحسن بن طلال، يوم الأحد 2018/7/22 ،نموذج يمكن البناء عليه نحو تحقيق مطامح السلم والأمن والتطلعات المشتركة لشعوب منطقة غرب آسيا وشمال إفريقيا، التي تمثَّلت في المؤتمر بالعرب والترك والفرس والكرد، من خلال نخبة طيبة من مفكِّري الأمّة     ومثقفيها، الذين هم بمثابة منارات التنوير والوعي في رحابها، ويسعون معاً يداً بيد إلى رفعتها، والمساهمة في إقامة أركان السلم والوئام والتفهّم والتفاهم بين أبنائها، والذين يشكلون أعمدة نهوضها نحو تحقيق الآمال الإنسانية المشروعة لها. فقد جاء هذا الحوار ليعلي صوت العقول المستنيرة، والوجدانات والضمائر الحيَّة، للقيام بمسؤوليات المثقفين الأخلاقية في المساهمة بإحلال السلامِ بين شعوبنا، وتوحيد كلمتها، وتبديد ضباب التباعد والفُرقة والانقسام بين هذه الشعوب.
هَدف المؤتمر لبلورة رؤية جامعة وأكثر شمولاً لفكرة الحوار المعرفي على صعيد الإقليم، كآلية لحل المشكلات ضمن إطار العدالة والتسامح، والحق في الاختلاف، والتنوع الثقافي، واستلهام التجارب الناجحة لدى أطراف الحوار في مجال تبيىء التعددية الثقافية واللغوية والدينية في صورتها المنفتحة والمتفاعلة، وفي امتداداتها الحقوقية والسياسية والثقافية والتنموية، وفي إطار  التشاركية ضمن الفضاء الإنساني. 
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن منتدى الفكر العربي منذ تأسيسه عام 1981؛ من قبل سموّ الأمير الحسن بن طلال ومجموعة من الشخصيات الثقافية والاقتصادية العربية – أمد االله في أعمار مَنْ بقي منهم، ورحم االله من انتقل إلى جواره – كان، وما يزال، في مقدمة أهدافه تدارس العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية مع مجموعات الدول الأخرى، ولا سيما الدول  الإسلامية والدول النامية، بهدف تعزيز الحوار وتنشيط التعاون، وبما يخدم المصالح المتبادلة.
ومن هذا المنطلق وغيره من المنطلقات التي رسمت مسارات هذه المؤسسة الفكرية العربية الأقدم، عبر أكثر من ستة وثلاثين عاماً، ظلَّت سلسلة الحوارات في تشعباتها على الصعيد العربي والإقليمي والدولي نشطة ومستمرة. فكان منها ندوة "العرب والأتراك:
الاقتصاد والأمن الإقليمي" عام 1996 ،وندوة "التعاون العربي الإيراني: المحاور السياسية والاقتصادية والثقافية" عام 1999 ،إلى جانب العديد من اللقاءات الحوارية مع أوروبا وأميركا الشمالية والجنوبية والصين واليابان والهند وألمانيا وإسبانيا وكوريا وباكستان والفلبين، وغيرها من الأنشطة التي أقمناها أو ساهمنا في تنظيمها، وشارك فيها مثقفون وباحثون من آسيا، بما فيها تركيا وإيران، كما شارك فيها نظراء لهم من الدول العربية  ومختلف قارات العالم. وأشير هنا أيضاً إلى "الحوار العربي – الكردي" الذي سبق هذا المؤتمر، وبادر به المنتدى في شهر آذار/ مارس 2018 ،وقد أكد في توصياته تبني عقد مؤتمر حوار مثقفي الأمم الأربع في عمّان.
إن هذا المنبر الحرّ للحوار، هو في فلسفة نشاطه يقوم على أن الفكر أجدر بأن يؤسس لعلاقات جديدة راسخة، ضمن أبعاد واضحة ومحددة بدلاً من التأرجح بين النوايا الحسنة  والعلاقات  الشائكة، أو مما لايتجاوز حافة اندلاع الأزمات والحروب. ولقد أكد"الميثاق الاقتصادي العربي"،الذي أطلقه المنتدى عام 2015 ،أن المصلحة العربية بعيدة المدى تقتضي الدخول في شراكات  مستقرّة مع الجوار الإقليمي (نعني بذلك إيران، وتركيا، وإفريقيا)، لدعم الأمن الإنساني والشامل، ودعم التبادل والمصالح المشتركة، على أساس من المساواة والتكافؤ ولا شك أن ما قدمه المشاركون في المؤتمر من أبناء الأمّة تعد مساهمات إيجابية ومبشرة بالخير للجميع وتُغني آفاق الأبعاد المشتركة بيننا جميعاً (تأسيساً على الدين والثقافة والتراث والتاريخ والجغرافيا، والمصير)، مما يعد مشتركات لإثراء وتعزيز قوة ومنعة شعوبنا ومستقبل أجيالها ودولها. فقد ناقش المؤتمر خلال جلساته الأربع الرؤى التركية والإيرانيّة والكرديّة والعربيّة إزاء مختلف الأبعاد المتعلِّقة بسبل تجاوز انعكاسات الأزمات السياسية وبؤر الخلاف على الإقليم، وآفاق تطوير العلاقات على أسس العيش المشتَرك، وبناء تجربة جديدة يكون للنُّخب الثقافية دور فيها، وضرورة الاستفادة من التجارب، والتأكيد على القواسم المشتركة بين الأمم الأربع. وكان من أهم ما خلص إليه المشاركون مجموعة من الأفكار والمقترحات أبرزها:
تأكيد أهمية العمل التشاركي في توصيف التحديات، وبالتالي السعي لإقامة مرصد معرفي للإقليم يساهم في تحقيق الأمن الإنساني بوصفه الأمن الحقيقي المنشود، ونبذ القوة العسكرية أو استخدام السلاح في حل الأزمات، وتفعيل دور النُّخب الثقافية، وإدامة الحوار، وإثراء محتوى التعليم، وترسيخ مبدأ الديمقراطية الاجتماعية والسياسية،والمساواة بين مختلف الطوائف والمذاهب في الحقوق والواجبات، بصرف النظر عن قومياتهم وإثنياتهم. وكذلك العمل على وضع ميثاق إعلامي ينصُّ على الاحترام المتبادل، ومنع الإساءة الفكرية أو السياسية، وبناء اقتصاد تشاركي  وتكافلي بين الأمم الأربع، مع التوصية بدراسة وبحث تداعيات التخلف الحضاري وإفرازاته، ضمن مشروع لإعادة بناء الحضارة الإسلامية وبناء الإنسان المُنتج للحضارة.
وبالتالي، فإنَّ عملاً مشتركاً في التنمية الثقافية بين الدول من شأنه أن يسهم في تقييد النزعات العدائية والتسلّطية، ويساعد على إيجاد البيئة الإقليمية المناسبة لتقدُّم المنطقة والوئام بين شعوبها؛ خصوصاً وأنّ كثيراً من الأواصر الاجتماعية هي متوافرة أصلاً بين شعوب منطقتنا، مما يمكِّن منظمات المجتمع المدني ومراكز الأبحاث والإعلام والإصلاحيين، من القيام بأدوار إيجابية  وفاعلة في توجيه الإرادة الشعبية نحو مأسسة بيئة حاضنة للتنوّع والاختلاف بتعظيم المشتَركات، والتأثير في الإرادات السياسية الفاعلة، والتركيز على الدور الإيجابي للإعلام في تقريب وجهات النظر، وفي التعبير عن الأزمات التي تشهدها مناطق الصراع، أو في المعالجات الحصيفة لما يعترض العلاقات التاريخية المركبة بين الأمم الأربعة.
وكذلك، تهيئة تلك البيئة لمواطنة حاضنة تستوعب الطوائف والمذاهب والأعراق، ليكون سكّان الإقليم الذي يضم الأمم الأربع في حالة من التجانس الثقافي، المؤدّي لإحداث علاقاتٍ مثمرةٍ بين المجتمعات. مع ضرورة إيجاد نموذج موحد يبيّن ماهية الشخصية  إيجابية الإسلاميّة في ظل تصارع الأيديولوجيات المتطرفة وجماعات العنف الديني، وتعزيز التعاون بين التجمّعات البشريّة التي فرضت عليها معطيات الواقع أن تكون ضمن المناطق العازلة. والاهتمام بقضية الجندر واحترام حقوق المرأة والسعي لتخليصها من الإكراهات والقيود التي تؤثر على قدرتها سلباً في إثراء الجانب التنموي.
وفي هذا الإطار، لا بد من الإشارة إلى أن لدينا جميعاً تجارب نهضوية متعددة يمكن الاستفادة منها في تشكيل تجربة نهضوية مشتركة، نتجاوز بها أسباب التباعد والخلافات والنزاعات، إلى منطقة من الحوار الهادىء والعقلاني، القادر على أن يجعل كفة التاريخ وميزان الحاضر والمستقبل الذي نريد ترجح لصالحنا في هذه المنطقة من العالم. إننا نعقد آمالاً كباراً على نتائج هذا المؤتمر  ومخرجاته، ولا سيما في الاستناد إلى الأفكار والطروحات المتعلقة باستعادة قيم التضامن والتعاون فيما بيننا؛ نحن أمة الحضارات والتراث الثقافي الذي نهل منه العالم أجمع، وكان من عوامل  نهوض أمم أخرى إلى مصاف العِلم والتعددية والحضارة الحديثة.
إن تراثنا وثقافتنا المشتركة اشتملت على نماذج مشرقة في التعددية والتنوع بمختلف مظاهره، ومنذ أقدم العصور، وقبل أن يدرك غيرنا ميزة الاختلاف، (وليس الخلاف)، وقبل أن تُطلق تسمية الآخرعلى المختلف، الذي هو الشريك في حضارتنا؛ حضارة التنوع في إطار الوحدة.
لقد ظلت تلك النماذج نماذج عملية لا تقتصر على الجانب النظري، وإنما تستمد أهميتها من كونها تعاملات على أرض الواقع، شملت جوانب اجتماعية واقتصادية، فضلاً عن الجوانب الثقافية  والفكرية. وما أجدرنا اليوم أن نقتدي بالتفكير العملي في استثمار موقعنا الجيوستراتيجي في البيئة العالمية لمأسسة نموذج من التعاون والشراكة وإدامة الحوار، يمثل جوهر منطقتنا في أبعادها وثراء مكوناتها، والقدرة على إعادة التوازن لهذه المنطقة بعيداً عن استئثار الأجندات الخارجية بمقدراتها.
إن الاقتصاد وبُعد التنمية المستدامة يشكل ركيزة لجانب الركائز الاجتماعية والثقافية، وهدفنا الأسمى أن تنعم شعوبنا بالازدهار والأمن الإنساني، بما في ذلك صون كرامة الإنسان وحقوقه في الحياة الكريمة والمواطنة الحاضنة لمشاركته في تقدم مجتمعه، مؤكدين في هذا الصدد حرصنا على مراكمة التجربة ومواصلة المبادرة الخيرة التي بدأت من تونس في الحوار بين الأعمدة الأربعة (23-2016/12/25 ،(وتأكيد ما جاء في "إعلان تونس" من احترام لحقوق الإنسان والحريات العامة، والتزام بآليات الحكم الرشيد، وترسيخ قيم اللاعنف والتسامح والحوار، وحفظ حقوق المجموعات الثقافية وسائر أشكال التنوع، والالتزام بقواعد الاستدامة والحوكمة والتعاون الاقتصادي والتبادل العلمي والثقافي والتواصل الاجتماعي.


* الأمين العام لمنتدى الفكر العربي، ووزير المالية الأسبق.

 

 

أضف تعليق