الرياديون بين الحقيقة والسراب بقلم : حسان الكسواني

اراء وتعليقات
حجم الخط

حسان الكسواني

كم هي الأفكار الجميلة الجذابة التي تلمع في أذهاننا .. لكننا نقف قليلا وننظر إلى الواقع ونتساءل هل من الممكن تطبيقها ؟ وهل نحن قادرون على تخطي التحديات والمخاطر التي سنواجهها في الطريق ؟!!

وهل نحن مؤهلون لقيادة دفة هذا المشروع أو ذاك ٠٠٠ وكما تعلمنا من تجاربنا عند الإنتقال من حالة الوظيفة التي كنا ننتظر راتبنا آخر كل شهر وإذا تأخرت الشركة علينا قليلا تأفأفنا وبدأ صبرنا ينفد ؛ حيث كنا نرتب إلتزاماتنا على وقت استلام الراتب...وكانت حياتنا تسيير بنمط رتيب لا نبالي بالشركة بعد إنتهاء الدوام ..

إن سهر صاحب الشركة إلى منتصف الليل ..أو قضى نصف وقته في السفر ..فتلك ليست من مسؤوليتنا ، المهم عندنا آخر الشهر نستلم رواتبنا .

نحن اليوم وقد قررنا أن نفتتح شركتنا " الريادية " الخاصة ، عندئذ تنقلب الموازين ، فلا رواتب آخر الشهر تنتظرنا ..وتعكس الآية ، فنحن نبدأ بدفع رواتب للموظفين ، فهم ينتظرون منا آخر الشهر رواتبهم.
وفي حال الحصول على تمويل من جهة ما ، وبما أن الفكرة والمنتج لا يزالان حديثين ..حتى ولو كانت الفكرة والمنتج مذهلين .. يطفو على السطح التحدي الثاني وهو التمكن من فتح الأسواق ..وتطبيق الدراسة المسبقة المكتوبة على الورق وتنفيذها على أرض الواقع ... في زمن أصبح فيه استعادة رأس المال كالنقش في الصخر.. وفي زمن يسهل فيه تقليد الأفكار أو سرقتها .. علينا أن ندرس جيدا ومنذ البداية .. الهدف والرسالة والرؤية .. بحيث نضعها أمامنا لمرات عدة ونتشاور حتى يصبح لدينا التصور النهائي للمنتج الذي لا لبس فيه

أكثر من يدعي الريادة يلجأ إلى التقليد مع شيء من التعديل حتى لا يغامر بشيء جديد تماما، مما سينتهي به إلى التعثر في أحد مراحل العمل.. لأنه ليس متأصلا في عالم الريادة واختار الطريق السهل..

خاصة إذا لجأ إلى التمويل ، فرأس المال" المغامر" يفضل أن يشاهد النموذج الذي يعتمد القياس عليه مع استعمال الأدوات اللازمة له ...لا يستطيع أن يتخيل " الريادي" أو من يطمح أن يكون ، تسارع حركة العالم وتعاطيه مع تنفيذ الأفكار والمنتجات بسبب النفاذ إلى المعلومة ، مع تشابك العالم في المعارف والعلوم.. فبكبسة زر على عمنا "چوچل" وغيره من المواقع نستطيع أن نستعلم عن آلاف المعلومات ،و بساعات محدودة قليلة .

من هنا علينا أن ندرس الأمر كثيرا قبل أن نقدم على فتح المشروع " الحلم" فالتنافس في الأسواق العالمية لا ترحم ولا تجامل ولا تشعر، وليست رقيقة ، بل هي متوحشة وقد تكون في بعض الأحيان قذرة.
لم تعد تسعفنا الفكرة القوية لوحدها , بل هناك عوامل متداخلة ، منها حجم المنافسين وقدرتهم على إعاقة دخول منتجك إلى السوق أو محاولة إحباطك ، وذلك يعود لعدة أسباب منها :

قوة رأس المال والمعرفة المسبقة في سرعة اختراق الأسواق، فالعالم مليء زاخر بالملهمين والأذكياء ، ولكن كل هذا لا يكفي فهناك سر إلهي هو " البقاء للأقوى" .
الرؤيا الواضحة الجلية من أول يوم ، والثبات عليها والإيمان المطلق الصارم بها ، مع معرفة تامة لاتجاهات الأسواق ...هو السبيل الذي يوصلك في النهاية إلى بر الأمان.

وللتوضيح: قد يتم اختيار البدء في المشروع " الحلم " في بلد يصعب فيه الإنتشار والتوسع ...مما يحتم أن يأخذ المشروع وقتا أطول للوصول إلى الأسواق.

والسبب هو عدم توفر العوامل المحفزة لنجاح المشروع في هذا البلد أو ذاك..  لنجاح المشروع، ومنها صعوبة القوانين الناظمة مثل الضرائب المرتفعة ولا تقابلها خدمات.. بالإضافة إلى سهولة أو صعوبة تعاطي العملاء مع المنتج ، وحتى لا تتبدد الأحلام ويحكم على المشروع بالفشل أو المرض المزمن الذي يبقي المشروع وصاحبه يحومان في نفس النقطة التي بدأت منها.
وبذا تصبح الحقيقة سرابا ، مع أنها كانت في يوم من الأيام حقيقة لا يجادل فيها أحد.

 

 

التعليقات  

0 #1 عمر أل عيون 2018-12-26 19:35
شكراً أخ حسان على هذا المقال الذي يتحدث عن مخاطر الريادة وخصوصاً في الأسواق الناشئة. نحتاج كما ذكرت إلى أفكار جديدة، وغير مكررة، لمشاريع تحل مشاكل كبيرة في المجتمع. قد تزداد المخاطرة لكن تلقائياً يزداد المردود المتوقع.

يقول "جاك ما"، مؤسس موقع علي بابا، وهو أغنى رجل في الصين وتقدر ثروته ب 39 مليار دولار، في لقاء في الأردن هذا العام:
لو وضعت نقود وموز أمام القرود فإن القرود ستختار الموز، لأنهم لايعرفون أن النقود تشتري موزاً أكثر! ولو عملنا نفس الشيء مع أغلب الناس وخيرناهم بين مشروع ابتكاري وبين راتب شهري في وظيفة معينة لاختار الأغلبية الوظيفة الشهرية، لأنهم لا يعرفون أن المشاريع الابتكارية تجلب مردوداً أكثر من الراتب الشهري وتغير الحياة تماماً. من الأشياء التي تجعل الناس فقراء، هي أنهم لم يتعلموا أن يروا الفرص التي تأتي من المشاريع الابتكاريه. لأنهم يبقوا طوال حياتهم وهم يتعلمون في المدارس أن العمل دائما يكون من أجل الوظيفة الشهرية. كما تعلموا أيضاً أنهم بدلا من أن يعملوا لأنفسهم سيعملون لدى الغير!
صحيح أن الراتب الشهري يمنعك من الفقر لكنه يمنعك من الغنى أيضا
اقتباس

أضف تعليق