الإدارة الرشيدة والمنصب العام

اراء وتعليقات
Tools
حجم الخط

أ.د.صلحي الشحاتيت *


ركّز الملك في أوراقة النقاشية وتوصياته للحكومات المتعاقبة، على انتهاج التنمية الشاملة المستدامة التي تعتبر من أولويات جلالته كنهج يسهم في ضمان النمو الاقتصادي والرعاية الاجتماعية. وقد وجه جلالته الحكومات المتتابعة إلى توفير البيئة المناسبة بما يكفل تحقيق التنمية الشاملة المستدامة بمختلف أبعادها السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتزويد الأردنيين بالأدوات التي تمكنهم من المساهمة في تطوير أنفسهم وبلدهم.
يعدّ تولي أيّ مهمة أو منصب أمانة تتطلب المثابرة، والتعاون، والجهد الدؤوب، وأن تكون مسؤولا يعني أن تستشير من هم في دائرتك ومحيطك، وأن تأخذ بعين الاعتبار كل رأي وفكرة، وتقبل الأخطاء بمرونة من باب أن لكل مشكلة حلا.
والقصص في هذا المجال جمّة، فكل مسؤول يختار كيف يجعل من قصته مرجعًا لمن بعده سواء إيجابًا أم سلبًا، فقصة نجاح رئيس وزراء ماليزيا مهاتير محمد تعدّ مثلًا يحتذى، حيث أن فترة حكمه هي أطول فترة حكم لرئيس وزراء في آسيا؛ إذ استمرت لمدة 22 عامًا استطاع فيها أن يرسم لها الخطط المستقبلية، ويزيد من معدل النمو الاقتصادي للبلاد من خلال توفير الدعم الوطني والشعبي بتطبيقه أنظمة الإدارة الرشيدة المبنية على التشاركية والعدالة والنزاهة والمساءلة والشفافية. بحلول عام 2020 ستكون ماليزيا علي درجه عالية من التقدم الصناعي، وأصبح مهاتير محمد قدوة حسنة لكل روساء العالم حيث أثار إعجاب الكتاب والمؤلفين، فغدَوا يتناولون حياته وتجربته الماليزية في المقالات والكتب.
وعندما أقرأ تاريخ أردننا الغالي أشعر بالأسف لعدم وجود شخصية تقلدت منصب رئيس وزراء بالاردن إلّا وتم انتقاده وانتقاد حكومته، ليس فقط من قبل النّقاد أو الشعب، ولكن أيضًا من قبل بعض رؤساء الوزراء الذين سبقوه، فيتمنون الإطاحة به وبحكومته. وتعليقًا على ذلك ما صرّح به الملك في لقائه شخصيات من أبناء الوطن في الديوان الملكي الهاشمي العامر عام 2012: «يعني لما يكونوا بموقع المسؤولية، كل إشي صحيح وعال العال، ولما يكونوا خارج مواقع المسؤولية، كل إشي غلط، والدنيا خربانة». فقد أشار جلالته هنا إلى قلة قليلة ممن خدموا في مواقع المسؤولية وكان لهم دور رئيسي في وضع بعض السياسات والقوانين المؤقتة، فنراهم اليوم هم من ينتقدون هذه السياسات والقوانين مع أنهم هم من وضعوها أو كان لهم دور أساسي في وضعها وإقرارها.
وهذا ما يحصل اليوم لحكومة الرزاز، فلم تسلم من الانتقادات المستمرة من قبل رؤساء الوزراء السابقين، ذلك لأن الشعب تفاءل كثيرًا لقدوم حكومته، فقد جاءت بعد حكومة تأزمت علاقتها مع الشعب بسبب قرارات اقتصادية، وجاءت أيضًا بعد حراك جماهيري ومظاهرات شعبية، وهذه بحد ذاتها فكرة مربكة جدًا. وعطفًا على ذلك فإنّ شخصية الرزاز تعدّ شخصية تقنية اقتصادية إنسانية، فقد استهل رئاسة حكومته بعدد من المواقف الإنسانية التي ألقت بظلالها على الناس، وجعلتهم يدركون الطبيعة الطيبة لهذا الرجل إلى أن وقعت حكومته مؤخرًا في فخ قراراتها المثيرة للجدل والمؤزمة للشارع.
وختامًا، وبالرجوع إلى ما أشار إليه جلالة الملك يجب أن يكون نجاح أي مسؤول مرتبطا بمساندة السلطات والشعب، فالكل شركاء في هذا الوطن الطيب المعطاء، وهم قادرون على مواجهة تحديات الحياة ومتطلبات العصر إن توفرت لديهم الإرادة، والعزيمة، والنية الصادقة، والابتعاد كل البعد عن المصالح الشخصية على حساب مصلحة الوطن والأمة.

*رئيس جامعة العقبة للتكنولوجيا 

 

 

 

أضف تعليق

تابعونا في تطبيق