فوق القانون

اراء وتعليقات
Tools
حجم الخط

د. مهند العزة

“إن أوضح طريق لمعرفة ماذا تعني سيادة القانون في حياتنا اليومية هي أن نتخيل ما الذي يمكن أن يحدث لو لم تكن هناك سيادة قانون".

هذه الكلمات للرئيس الأمريكي الراحل أيزنهور يبدو أنها تستعصي على النفاذ لعقول من يدعون الحكمة والرشاد في بلدي. لست في معرض بيان موقفاً شخصياً ولا حتى تحليل لأزمة إضراب المعلمين ولا لتقييم إدارة هذه الأزمة من جانب الحكومة المعنية بتسويتها. ما يقضّ المضجع حقيقةً؛ هو ردة الفعل على قرار المحكمة الإدارية بالأمس بفض الإضراب ومن ثم ضرورة استئناف العملية التعليمية لحين البت بموضوع الدعوى أو الدعاوى المرفوعة على وزارة التربية ونقابة المعلمين.

كنت أتوقع أن لا تخرج عبارات رد الفعل على قرار المحكمة من جانب النقابة عن: "إننا نجل القضاء وننصاع لأحكامه"، لكن هذا لم يحدث بل ما حدث هو تحدٍ غير مسبوق لسيادة القانون وهيبة القضاء. إن نقابة المعلمين أثبتت أنه ينقصها الكثير في مجال مهارة إدارة حملة المطالبة وكسب التأييد، إذ أنها تخسر كل يوم من أسهم التأييد الشعبي في "بورصة" المضاربة التي أقحمت نفسها بها على غير هدى ولا كتابٍ منير.

لا فضّ فوه ذلك الفلاح الألماني البسيط الذي قال مقولته الشهيرة للمستشار العظيم بسمارك حينما وقع بينهما نزاع على الحدود الفاصلة بين ملكيتهما: "في ألمانية قضاة"، إذ لخصت عبارته هذه قيماً أفردت لها مواثيق حقوق الإنسان مساحات واسعة لتأصيلها وترسيخها. فأين نقابة المعلمين من هذا الفلاح البسيط؟ مرةً أخرى، نحن لا نناقش أبداً مشروعية المطالب أو منطقيتها أو آلية تعاطي الحكومة معها التي قد تكون غير نموذجية في رأي البعض، وإنما ما نرمي إليه هو رصد ظاهرة خطيرة جدا تؤرق كل مشتغل بحقوق الإنسان والقانون، وهي أن يتم الانقلاب على حكم قضائي بهذه الصورة التي تهدد المنظومة القيمية والأخلاقية قبل أن تشكل خطراً حقيقياً على مضمون ومقتضيات إعمال مبدأ سيادة القانون.

إن حكم المحكمة الإدارية لا يعني خسارة معركة بل ولا حتى جولة في هذا السياق بل وقد يكون الحكم ذاته محلاً للنقاش من جانب الفقهاء، إلا أن أبجديات العلوم القانونية والسوابق القضائية وما استقر عليه الفقه في العالم قاطبة؛ تقطع بأن حكم القضاء عنوان الحقيقة التي لا تتغير إلا بحكمٍ قضائي آخر له مسوغاته وأصوله.

إن اللجوء إلى القضاء للانتصاف وطلب العدالة هو علامة رقي وتحضر لا يماري فيها أحد، لكن سرعان ما تنقلب هذه القيمة إلى ضدّها إذا ما أهدرت أحكام القضاء وذهبت أدراج الرياح بفعل التعنت والستعلاء وأنفة الرضوخ لحكم العدالة.

لقد خسرتم بموقفكم هذا كل ما ظننتم أنكم ربحتموه، ونزعتم عن مطالبكم لباس المشروعية، فبدت سوءة انقلابكم على العدالة التي تحاجّون بأنها إلى جانبكم، إذ جعلتموها خلف ظهوركم، فبات ملاذكم المُدّعى ذبيحكم الذي تللتموه للجبين.

 

أضف تعليق

تابعونا عبر تطبيق